📁 آخر الأخبار

إذن التقاضي ضد الحكومة أم طلب الإخلاء الإداري

إذن التقاضي ضد الحكومة أم طلب الإخلاء الإداري؟

إذن التقاضي ضد الحكومة أم طلب الإخلاء الإداري؟

دراسة قانونية في المركز الإجرائي لمالك العقار المستأجر للحكومة بين المادة (33/4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م وقانون إخلاء المباني العامة لسنة 1969م في ضوء السوابق الدستورية والقضائية السودانية


بقلم: المستشار مصعب عادل
مستشار قانوني – وزارة العدل السودانية

مقدمة

يثير استئجار الحكومة للعقارات الخاصة إشكالية قانونية دقيقة تتجاوز مجرد تفسير النصوص إلى ميدان التوازن بين امتيازات الإدارة العامة وضمانات الملكية الخاصة وحق التقاضي. وتبرز هذه الإشكالية بصورة أكثر حدة عندما ينتهي عقد الإيجار أو تخل الحكومة بالتزاماتها وترفض إخلاء العقار.

فهل يصبح مالك العقار ملزماً باللجوء إلى وزير العدل بطلب إخلاء إداري استناداً إلى قانون إخلاء المباني العامة لسنة 1969م باعتبار أن المبنى أصبح "مبنى عاماً" بمجرد استئجاره بواسطة الحكومة؟ أم أن الطريق القانوني الصحيح يظل هو طلب إذن التقاضي ضد الحكومة وفقاً للمادة (33/4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م ومن ثم اللجوء إلى القضاء المدني؟

هذه الدراسة تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل النصوص القانونية وربطها بالمبادئ الدستورية والسوابق القضائية السودانية.

أولاً: جوهر الإشكالية القانونية

تكمن الإشكالية الحقيقية في أن تفسير المادة (2) من قانون إخلاء المباني العامة لسنة 1969م تفسيراً واسعاً قد يؤدي عملياً إلى تحويل مالك العقار من صاحب حق أصيل في التقاضي إلى مجرد طالب قرار إداري من الجهة ذاتها التي تمثل خصمه في النزاع.

إذا كان وزير العدل يمثل الحكومة قانوناً، فإن إلزام المالك بطلب الإخلاء الإداري منه يؤدي عملياً إلى اجتماع صفتي الخصم والحكم في جهة واحدة، وهو وضع يتعارض مع المبادئ المستقرة للعدالة الطبيعية.

ثانياً: الفرضيات القانونية المحتملة

الفرضية الأولى: التفسير الحرفي الموسع

وفق هذا الاتجاه فإن كل مبنى تستأجره الحكومة يصبح مبنى عاماً حكماً، وبالتالي لا يجوز للمالك مقاضاة الحكومة بشأنه، وإنما يتعين عليه سلوك طريق الإخلاء الإداري.

ويترتب على هذا الرأي رفض منح إذن التقاضي وتوجيه المالك إلى وزير العدل.

غير أن هذا التفسير يفضي إلى نتائج شديدة الخطورة، إذ يجعل الجهة التي تمثل الحكومة هي نفسها الجهة التي تقرر مشروعية بقائها في العقار.

الفرضية الثانية: التفسير العيني الضيق

يذهب هذا الاتجاه إلى أن المقصود بحماية المباني العامة هو حماية حيازة الدولة في مواجهة الغير، وليس في مواجهة المالك الأصلي الذي يستند حقه إلى الملكية والعقد.

وبناءً على ذلك يظل للمالك الحق في الحصول على إذن التقاضي ومقاضاة الحكومة أمام القضاء المدني المختص.

الفرضية الثالثة: التفرقة الإجرائية العادلة

وهي الفرضية الأقرب إلى منطق التشريع والعدالة.

وتقوم على التمييز بين نوعين من المنازعات:

  • النزاع بين المالك والحكومة المستأجرة ذاتها، وهو نزاع تعاقدي مدني يخضع للمادة (33/4) من قانون الإجراءات المدنية.
  • النزاع بين الحكومة أو من يمثلها وبين شاغل أو متعدٍ على العقار، وهو المجال الذي يعمل فيه قانون إخلاء المباني العامة لسنة 1969م.

وبذلك يصبح لكل قانون مجاله الطبيعي دون تضارب أو مصادرة لحقوق الأفراد.

ثالثاً: المانع الدستوري أمام التفسير المقيد لحق التقاضي

لا يجوز تفسير أي قانون استثنائي على نحو يؤدي إلى إهدار الحق الدستوري في اللجوء إلى القضاء.

فالحق في التقاضي يعد من الحقوق الأساسية التي لا يجوز تعطيلها أو جعلها رهناً بإرادة الخصم.

1- السابقة الدستورية محجوب برير ضد حكومة السودان

أرست الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا مبدأ مهماً مؤداه أن تحصين القرارات الإدارية أو حرمان الأفراد من اللجوء إلى القضاء يتعارض مع المبادئ الدستورية الأساسية.

وقد شكل هذا الاتجاه القضائي نقطة تحول مهمة في الرقابة على القرارات الصادرة بموجب قانون إخلاء المباني العامة.

2- سابقة مركز السودان القومي للغات

دعمت المحكمة العليا الاتجاه القائل بأن العلاقات التعاقدية بين الدولة والأفراد تخضع في الأصل للقواعد المدنية العامة، وأن قانون إخلاء المباني العامة لا يجوز التوسع في تطبيقه على نحو يطيح بالأحكام العقدية أو يمنع صاحب الحق من اللجوء إلى القضاء.

رابعاً: التكييف القانوني الصحيح

عند انتهاء عقد إيجار أبرمته الحكومة مع مالك عقار خاص، فإن النزاع يكون نزاعاً تعاقدياً مدنياً بين مؤجر ومستأجر.

ولا يتحول هذا النزاع إلى نزاع إداري لمجرد أن المستأجر جهة حكومية.

ومن ثم فإن الطريق القانوني السليم يتمثل في:

  1. التقدم بطلب إذن التقاضي وفق المادة (33/4) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983م.
  2. رفع الدعوى المدنية المختصة بعد صدور الإذن.
  3. ترك الفصل في النزاع للقضاء المستقل.

خامساً: النتائج

  1. المركز القانوني لمالك العقار المستأجر للحكومة يختلف عن مركز الغير أو المتعدين على المباني العامة.
  2. لا يجوز تفسير المادة (2) من قانون إخلاء المباني العامة تفسيراً يؤدي إلى مصادرة حق المالك في مقاضاة الحكومة.
  3. قانون إخلاء المباني العامة وجد لحماية الحيازة الإدارية للدولة وليس لتجريد المالك من ضمانات التقاضي.
  4. الطريق الإجرائي الصحيح في مواجهة الحكومة المستأجرة هو طلب إذن التقاضي وفق المادة (33/4) من قانون الإجراءات المدنية.
  5. أي تفسير يجعل وزير العدل خصماً وحكماً في الوقت ذاته يصطدم بمبادئ العدالة الطبيعية وحق التقاضي.

التوصيات

  1. اعتماد التفسير الذي يميز بين النزاع التعاقدي والنزاع الإداري.
  2. منح إذن التقاضي متى ثبت وجود نزاع تعاقدي حقيقي بين المالك والجهة الحكومية المستأجرة.
  3. عدم التوسع في تطبيق قانون إخلاء المباني العامة على المنازعات المدنية الناشئة عن عقود الإيجار.
  4. تعزيز الاتجاه القضائي الذي يكفل خضوع الدولة لرقابة القضاء عند مباشرتها للعلاقات التعاقدية.
Your Legal Advisor مستشارك القانوني
Your Legal Advisor مستشارك القانوني
تعليقات