📁 آخر الأخبار

هل تخضع قرارات النائب العام في الدعوى الجنائية لرقابة القضاء الإداري

هل تخضع قرارات النائب العام في الدعوى الجنائية لرقابة القضاء الإداري؟ دراسة تأصيلية في الفقه والقضاء السوداني

هل تخضع قرارات النائب العام في الدعوى الجنائية لرقابة القضاء الإداري؟
دراسة تأصيلية في الفقه والقضاء السوداني

إعداد: المستشار القانوني مصعب عادل مستشار قانوني بوزارة العدل السودانية


مقدمة

من المسائل التي شغلت الفقه الإداري والقضاء السوداني خلال العقود الأخيرة مسألة تحديد الطبيعة القانونية للقرارات التي يصدرها النائب العام أثناء مباشرته لاختصاصاته في التحري والتحقيق والإشراف على الدعوى الجنائية، وما إذا كانت هذه القرارات تندرج ضمن مفهوم القرار الإداري الذي ينعقد الاختصاص برقابته لقضاء الإلغاء، أم أنها تظل أعمالاً قانونية ذات طبيعة قضائية أو شبه قضائية تخرج عن نطاق ولاية القضاء الإداري.

وتزداد أهمية هذه المسألة إذا ما وضعنا في الاعتبار أن النائب العام يشغل موقعاً قانونياً فريداً داخل البناء الدستوري للدولة؛ فهو ليس جهة إدارية بالمعنى التقليدي الذي ينصرف إلى الوزارات والمصالح الحكومية، كما أنه ليس قاضياً يجلس للفصل في الخصومات وإصدار الأحكام القضائية النهائية، وإنما يمثل سلطة الاتهام والادعاء العام، ويتولى الإشراف على الدعوى الجنائية باسم المجتمع.

وقد ترتب على هذا الوضع الخاص ظهور اتجاهات مختلفة في الفقه والقضاء حول التكييف القانوني لقراراته، خاصة القرارات المتعلقة بشطب الدعوى الجنائية أو إعادة فتحها أو توجيه الاتهام أو مراجعة أعمال النيابة العامة.

ففي الوقت الذي ذهب فيه اتجاه إلى أن هذه القرارات لا تعدو أن تكون أعمالاً قانونية مرتبطة مباشرة بسير الدعوى الجنائية، ومن ثم تخرج عن نطاق القضاء الإداري، رأى اتجاه آخر أن بعض هذه القرارات قد تخضع لرقابة المشروعية متى ثبت قيام عيب من عيوب القرار الإداري المعروفة.

وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تهدف إلى تأصيل القاعدة القانونية العامة من خلال تحليل النصوص القانونية والفقه الإداري والسوابق القضائية السودانية التي تناولت هذه المسألة.

ومن ثم فإن السؤال الجوهري الذي تدور حوله هذه الدراسة يتمثل في الآتي:

هل يختص القضاء الإداري السوداني بنظر القرارات التي يصدرها النائب العام أثناء مباشرته سلطاته في التحري والتحقيق وتسيير الدعوى الجنائية؟

وللإجابة عن هذا السؤال لا يكفي الوقوف عند النصوص القانونية وحدها، بل يلزم الرجوع كذلك إلى الفقه الإداري المقارن والسوابق القضائية السودانية التي أرست المبادئ الحاكمة لهذه المسألة.

أولاً: أهمية التفرقة بين القرار الإداري والعمل القضائي والعمل شبه القضائي

قبل الخوض في طبيعة قرارات النائب العام، فإن المنهج العلمي يقتضي الوقوف أولاً على أهمية التفرقة بين القرار الإداري والعمل القضائي والعمل شبه القضائي، لأن الإجابة عن السؤال محل البحث تتوقف بصورة مباشرة على هذه التفرقة.

فدعوى الإلغاء التي تشكل الأداة الرئيسية للرقابة القضائية على الإدارة لا تنصرف إلا إلى القرارات الإدارية النهائية، ولا تمتد بطبيعتها إلى الأحكام القضائية أو الأعمال التي تصدرها الجهات القضائية أثناء ممارستها لوظيفتها القضائية.

وقد استقر الفقه الإداري على أن معيار التفرقة لا يقوم على صفة الجهة التي أصدرت القرار فحسب، وإنما يقوم بصورة أساسية على طبيعة الوظيفة التي كانت تمارسها تلك الجهة وقت إصدار القرار.

المرجع: الدكتور سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري – قضاء الإلغاء، دار الفكر العربي، الطبعة الثالثة، ص 824.

ويقرر الدكتور سليمان الطماوي أن العبرة في تحديد طبيعة القرار ليست باسم الجهة التي أصدرته، وإنما بطبيعة النشاط القانوني الذي كانت تمارسه تلك الجهة عند إصدار القرار.

وتبدو أهمية هذا الرأي عند تطبيقه على أعمال النيابة العامة؛ فالنائب العام قد يصدر قرارات تنظيمية تتعلق بإدارة أجهزة النيابة أو توزيع الاختصاصات الإدارية بين أعضائها، وهي قرارات يمكن أن تكتسب وصف القرار الإداري.

لكنه في المقابل يصدر قرارات أخرى أثناء ممارسته لاختصاصاته في الدعوى الجنائية، كتوجيه الاتهام أو مراجعة قرارات الشطب أو الإشراف على التحري أو وقف الإجراءات، وهي قرارات تثير التساؤل حول ما إذا كانت لا تزال تحتفظ بالوصف الإداري ذاته أم أنها تخرج إلى دائرة مختلفة.

ومن هنا تظهر أهمية التفرقة بين:

  • العمل الإداري.
  • العمل القضائي.
  • العمل شبه القضائي.

فإذا ثبت أن القرار محل البحث ينتمي إلى الفئة الأخيرة، فإن الأصل أن يخضع لنظام قانوني مختلف عن ذلك الذي يحكم القرارات الإدارية التقليدية.

ثانياً: مفهوم القرار الإداري في الفقه والقانون السوداني

يُعد مفهوم القرار الإداري حجر الزاوية في تحديد نطاق اختصاص القضاء الإداري.

وقد عرف قانون القضاء الإداري لسنة 2005م القرار الإداري بأنه القرار الذي تصدره جهة عامة بقصد إحداث أثر قانوني معين يتعلق بحق أو واجب أي شخص أو أشخاص.

وعلى الرغم من بساطة هذا التعريف ظاهرياً، إلا أن الفقه الإداري استخلص منه عدة أركان لا بد من توافرها مجتمعة حتى يكتسب العمل القانوني وصف القرار الإداري.

وأول هذه الأركان أن يصدر القرار عن جهة تمارس اختصاصاً إدارياً.

أما الركن الثاني فهو أن يكون الغرض من القرار إحداث أثر قانوني مباشر.

والركن الثالث أن يصدر القرار بإرادة منفردة مستمدة من امتيازات السلطة العامة.

المرجع: الدكتور ماجد راغب الحلو، القضاء الإداري، دار المطبوعات الجامعية، 1995م، ص 286.

ويقرر الدكتور ماجد راغب الحلو أن القرار الإداري يفترض دائماً ممارسة جهة الإدارة لامتيازات السلطة العامة بقصد إدارة المرافق العامة وتحقيق المصلحة العامة.

ويلاحظ أن هذا التعريف يقود إلى نتيجة مهمة، وهي أن كل قرار يصدر من جهة حكومية لا يعد بالضرورة قراراً إدارياً.

فقد تصدر الجهة الحكومية قراراً بوصفها سلطة قضائية أو سلطة تأديبية أو سلطة تحقيق، وعندئذ يتعين النظر إلى طبيعة الاختصاص الممارس قبل إضفاء الوصف الإداري على القرار.

وهذه الملاحظة ستكون ذات أهمية مركزية عند مناقشة قرارات النائب العام في الأجزاء التالية من هذه الدراسة.

ثالثاً: نشأة نظرية الأعمال شبه القضائية وأثرها في تحديد نطاق القضاء الإداري

لا يمكن فهم الطبيعة القانونية لقرارات النائب العام فهماً صحيحاً دون الرجوع إلى الجذور التاريخية والفلسفية لنظرية الأعمال شبه القضائية، وهي النظرية التي نشأت أصلاً في القضاء الإنجليزي ثم انتقلت إلى كثير من الأنظمة القانونية التي تأثرت به، ومن بينها السودان.

فقد كان القضاء الإنجليزي منذ وقت مبكر يميز بين نوعين من السلطات التي تمارسها أجهزة الدولة:

  • سلطات إدارية بحتة.
  • سلطات ذات طبيعة قضائية أو شبه قضائية.

وكان هذا التمييز ضرورياً لتحديد نوع الرقابة القضائية التي يمكن أن تمارس على الأعمال الصادرة من تلك الجهات.

فإذا كانت الجهة تمارس وظيفة إدارية خالصة فإن قراراتها تخضع لرقابة المشروعية الإدارية التقليدية، أما إذا كانت تمارس وظيفة قضائية أو شبه قضائية فإن الرقابة عليها تتم بوسائل قانونية مختلفة تراعي طبيعة الوظيفة التي تؤديها.

المرجع: H.W.R. Wade & C.F. Forsyth, Administrative Law, Oxford University Press, 11th Edition, pp. 520-526.

ويقرر الفقيهان ويد وفورسيث أن معيار التفرقة بين العمل الإداري والعمل شبه القضائي لا يقوم على اسم الجهة أو موقعها التنظيمي داخل الدولة، وإنما يقوم على طبيعة المهمة القانونية التي تباشرها تلك الجهة.

فكلما اقتضى القانون من الجهة أن تفحص الوقائع أو تزن الأدلة أو تطبق قاعدة قانونية على حالة محددة أو تتخذ قراراً بعد دراسة قانونية منظمة، اقترب عملها من الطبيعة القضائية أو شبه القضائية.

وهذا المفهوم يكتسب أهمية خاصة عند دراسة أعمال النيابة العامة، لأن سلطة الاتهام لا تمارس مجرد نشاط إداري، بل تتعامل يومياً مع وقائع قانونية ومواد جنائية وأدلة وتحريات وتقدير للمصلحة العامة، وهي عناصر تجعل نشاطها أقرب بطبيعته إلى العمل القضائي منه إلى النشاط الإداري التقليدي.

رابعاً: نظام Certiorari وأثره في الرقابة على أعمال النيابة العامة

من المفاهيم التي كثيراً ما ظهرت في السوابق القضائية السودانية المتعلقة بقرارات النائب العام مفهوم Certiorari وهو من المصطلحات القانونية ذات الأصل الإنجليزي.

ويُقصد به أمر قضائي تصدره المحكمة العليا لمراجعة مشروعية الأعمال الصادرة من المحاكم الدنيا أو الجهات التي تمارس سلطات قضائية أو شبه قضائية.

ولم يكن الغرض من هذا النظام إنشاء طريق استئناف جديد، وإنما التأكد من أن الجهة التي أصدرت القرار قد التزمت حدود اختصاصها القانوني ولم تتجاوزها.

المرجع: De Smith's Judicial Review, 8th Edition, Sweet & Maxwell, 2018, pp. 650-670.

وتكمن أهمية هذا النظام في أنه يعكس فكرة جوهرية مؤداها أن بعض القرارات لا تخضع لرقابة القضاء الإداري لأنها ليست قرارات إدارية أصلاً، ولكنها تظل خاضعة لنوع آخر من الرقابة القضائية يتناسب مع طبيعتها الخاصة.

ولهذا السبب نجد أن بعض السوابق السودانية القديمة لم تتحدث عن دعوى الإلغاء الإداري عند تناولها لقرارات النائب العام، وإنما تحدثت عن سلطة الفحص والمراجعة القضائية المستمدة من المبادئ الموروثة من النظام الإنجليزي.

ومن ثم فإن وجود رقابة قضائية على قرار معين لا يعني بالضرورة أن هذا القرار قرار إداري.

وهذه نقطة كثيراً ما يختلط فهمها في المناقشات القانونية المتعلقة بسلطات النائب العام.

خامساً: المركز القانوني للنائب العام في النظام القانوني السوداني

يُعد تحديد المركز القانوني للنائب العام خطوة أساسية في الإجابة عن السؤال محل الدراسة.

ذلك أن تحديد طبيعة الجهة مصدر القرار يمثل نقطة الانطلاق نحو تحديد طبيعة القرار نفسه.

والأصل أن النائب العام في النظام القانوني السوداني يمثل رأس سلطة الاتهام والدعوى الجنائية.

وقد تطور هذا المركز عبر مراحل تشريعية متعددة بدأت منذ القوانين الجنائية الأولى، ثم تعززت بصورة أوضح في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، وصولاً إلى قانون النيابة العامة لسنة 2017م.

ومن خلال استقراء هذه التشريعات يتضح أن المشرع السوداني لم ينظر إلى النائب العام بوصفه مديراً لمرفق إداري فحسب، وإنما بوصفه صاحب اختصاص قانوني أصيل في مجال العدالة الجنائية.

فالنيابة العامة لا تمثل مصلحة حكومية عادية.

كما أنها لا تمارس نشاطاً خدمياً أو تنظيمياً بالمفهوم المعروف في القانون الإداري.

بل تضطلع بمهمة حماية المجتمع من الجريمة وتحريك الدعوى الجنائية والإشراف على التحري ومباشرة الاتهام أمام المحاكم.

وهذه الوظائف تضعها في موقع متميز بين أجهزة الدولة.

ولهذا السبب درج الفقه على وصف النيابة العامة بأنها هيئة قضائية أو شبه قضائية بحسب طبيعة النظام القانوني المطبق.

المرجع: الدكتور أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية، منشأة المعارف، الطبعة الخامسة، ص 793.

ويشير الدكتور أحمد أبو الوفا إلى أن الجهات التي تمارس اختصاصات قانونية مرتبطة بالفصل في المنازعات أو التحقيق أو الاتهام لا يمكن إخضاع أعمالها للقواعد ذاتها التي تحكم الأعمال الإدارية التقليدية.

ويستفاد من هذا الرأي أن المعيار الحقيقي يكمن في طبيعة الوظيفة وليس في التسمية الشكلية للجهة.

سادساً: سلطات النائب العام في قانون الإجراءات الجنائية السوداني

عند الرجوع إلى قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م يتضح أن المشرع منح النائب العام سلطات واسعة في مختلف مراحل الدعوى الجنائية.

ومن أبرز هذه السلطات سلطة الإشراف على التحري، وسلطة مراجعة قرارات النيابات، وسلطة إصدار التوجيهات القانونية المتعلقة بسير الدعوى الجنائية.

كما منح القانون النائب العام سلطة التدخل في أي مرحلة من مراحل الإجراءات الجنائية إذا رأى أن مقتضيات العدالة أو حسن تطبيق القانون تستوجب ذلك.

وهذه السلطات ليست سلطات تنظيمية أو إدارية بالمعنى التقليدي.

فالغاية منها ليست إدارة الموارد أو الموظفين أو تنظيم المرافق العامة.

وإنما تتعلق مباشرة بتحقيق العدالة الجنائية وتطبيق القانون الجنائي.

ومن هنا يثور التساؤل:

إذا كانت السلطة التي يمارسها النائب العام ذات طبيعة جنائية وقانونية خالصة، فهل يمكن وصف القرارات الصادرة بموجبها بأنها قرارات إدارية؟

هذا هو السؤال الذي حاول القضاء السوداني الإجابة عليه عبر عدد من السوابق المهمة التي أرست المبادئ الحاكمة لهذه المسألة.

ولعل البداية الحقيقية لهذا التطور القضائي ظهرت في سابقة حكومة السودان ضد زهراء آدم عمر، ثم تبلورت بصورة أوضح في سابقة حكومة السودان ضد أحمد إسماعيل يوسف، قبل أن تصل إلى ذروتها في الأحكام الحديثة الصادرة خلال العقد الأخير.

وفي الجزء التالي من الدراسة سيتم تحليل هذه السوابق القضائية بالتفصيل، مع بيان تطور موقف القضاء السوداني من فكرة خضوع قرارات النائب العام لرقابة القضاء الإداري، وصولاً إلى تحديد الاتجاه القضائي الراجح والمستقر في الوقت الحاضر.

سابعاً: التطور القضائي لموقف المحاكم السودانية من قرارات النائب العام

إذا كان النص القانوني يمثل نقطة البداية في تحديد نطاق الاختصاص القضائي، فإن الكلمة النهائية في تفسير ذلك النص تظل للقضاء. ولذلك فإن الإجابة الدقيقة عن السؤال محل هذه الدراسة لا يمكن أن تتحقق بالرجوع إلى التشريعات وحدها، وإنما تقتضي تتبع الكيفية التي تعامل بها القضاء السوداني مع قرارات النائب العام عبر مختلف المراحل التاريخية.

ويكشف استقراء الأحكام القضائية السودانية أن موقف القضاء لم يتشكل دفعة واحدة، وإنما مر بمراحل متعاقبة بدأت بالاعتراف بإمكانية إخضاع بعض أعمال النائب العام لرقابة القضاء من حيث المشروعية، ثم تطورت تدريجياً نحو التمييز بين الرقابة على مشروعية القرار وبين اختصاص القضاء الإداري بنظره، وصولاً إلى ترسيخ مبدأ أكثر وضوحاً مؤداه أن القرارات الصادرة عن النائب العام أثناء مباشرته لوظائفه في الدعوى الجنائية لا تندرج في الأصل ضمن مفهوم القرار الإداري.

ومن ثم فإن دراسة السوابق القضائية لا تهدف إلى مجرد جمع الأحكام، وإنما إلى استخلاص الاتجاه القضائي العام الذي تشكل من مجموع تلك الأحكام.

ثامناً: سابقة حكومة السودان ضد زهراء آدم عمر (1965م)

المرجع القضائي: حكومة السودان ضد زهراء آدم عمر، مجلة الأحكام القضائية السودانية، 1965م، ص 31، سابقة منشورة.

تعد هذه السابقة من أقدم السوابق التي تعرضت بصورة مباشرة لمسألة الرقابة القضائية على قرارات النائب العام.

وكان النزاع فيها يدور حول مدى قانونية قرار صادر من النائب العام يتعلق بسحب الاتهام والإجراءات الواجب اتباعها عند ممارسة هذه السلطة.

وقد أكدت المحكمة أن سلطة النائب العام ليست سلطة مطلقة تخرج كلية من نطاق الرقابة القضائية، وأن القضاء يملك التحقق من مدى التزام النائب العام بالإجراءات والشروط التي فرضها القانون عند ممارسته لاختصاصاته.

ويلاحظ أن هذه السابقة كثيراً ما يُستدل بها لإثبات خضوع قرارات النائب العام للرقابة القضائية، غير أن القراءة الدقيقة للحكم تكشف أن المحكمة لم تكن بصدد تقرير اختصاص القضاء الإداري بالمعنى الحديث، لأن نظام القضاء الإداري السوداني بصورته الحالية لم يكن قد تبلور آنذاك.

كما أن الحكم لم يقرر أن قرار النائب العام قرار إداري، وإنما أكد فقط حق القضاء في التحقق من سلامة الإجراءات القانونية التي اتبعت عند إصدار القرار.

وهنا تظهر أهمية التفرقة بين مسألتين مختلفتين:

  • خضوع القرار للرقابة القضائية.
  • خضوع القرار للقضاء الإداري.

فليستا مسألة واحدة.

إذ قد يخضع القرار لرقابة القضاء دون أن يكون قراراً إدارياً، كما هو الحال بالنسبة للأحكام القضائية وقرارات الهيئات شبه القضائية.

ومن ثم فإن سابقة زهراء آدم عمر لا تصلح وحدها للاستدلال على اختصاص القضاء الإداري بنظر قرارات النائب العام، وإنما تؤكد فقط مبدأ المشروعية وخضوع السلطة للقانون.

تاسعاً: سابقة حكومة السودان ضد أحمد إسماعيل يوسف (1980م)

المرجع القضائي: حكومة السودان ضد أحمد إسماعيل يوسف، المحكمة العليا، م ع/ط ج/137/1980م، مجلة الأحكام القضائية السودانية، 1980م، سابقة منشورة.

تمثل هذه السابقة نقطة تحول حقيقية في مسار القضاء السوداني فيما يتعلق بالطبيعة القانونية لقرارات النائب العام.

فقد واجهت المحكمة بصورة مباشرة سؤالاً جوهرياً يتعلق بتكييف القرار الصادر من النائب العام بوقف الإجراءات الجنائية.

وكان بإمكان المحكمة أن تصفه بأنه قرار إداري أو أن تعتبره قراراً قضائياً، إلا أنها اختارت توصيفاً ثالثاً بالغ الأهمية، حين قررت أن القرار الصادر من النائب العام في هذا المجال هو قرار شبه قضائي.

ويعد هذا التوصيف من أهم ما ورد في هذه السابقة، لأنه وضع قرارات النائب العام في منطقة قانونية مختلفة عن المنطقة التي تشغلها القرارات الإدارية التقليدية.

المبدأ المستخلص من السابقة: القرار الصادر من النائب العام أثناء مباشرته سلطاته في الدعوى الجنائية هو قرار شبه قضائي وليس قراراً إدارياً.

وتكمن أهمية هذا المبدأ في أنه لم يركز على شخص النائب العام، وإنما ركز على طبيعة الوظيفة التي كان يمارسها وقت إصدار القرار.

فالقرار لم يصدر لتنظيم مرفق عام أو إدارة موظفين أو إصدار تراخيص أو تنظيم نشاط إداري.

بل صدر أثناء مباشرة سلطة قانونية متصلة بالدعوى الجنائية.

وهذا هو السبب الذي دفع المحكمة إلى استبعاده من دائرة القرارات الإدارية.

ومن الناحية الفقهية يمكن القول إن هذه السابقة تمثل التطبيق العملي للنظرية التي قررها الفقه الإداري المقارن بشأن الأعمال شبه القضائية.

عاشراً: أثر سابقة أحمد إسماعيل يوسف في بناء الاتجاه القضائي السوداني

لم تقتصر أهمية هذه السابقة على النزاع الذي صدرت فيه، وإنما امتد أثرها إلى بناء اتجاه قضائي كامل استمر لعقود لاحقة.

فقد أرست السابقة مبدأً بالغ الأهمية مؤداه أن العبرة ليست بالجهة التي أصدرت القرار وإنما بطبيعة السلطة التي كانت تمارسها.

ولو طبقنا هذا المعيار على النائب العام لوجدنا أنه قد يصدر نوعين مختلفين من القرارات:

  • قرارات تنظيمية أو إدارية تتعلق بإدارة جهاز النيابة.
  • قرارات متصلة بالدعوى الجنائية والتحقيق والاتهام.

ولا يمكن قانوناً إخضاع النوعين لذات النظام القانوني.

فالنوع الأول قد يكتسب وصف القرار الإداري.

أما النوع الثاني فإن طبيعته القانونية تختلف جذرياً لأنه يرتبط مباشرة بممارسة وظيفة العدالة الجنائية.

ومن هنا يمكن القول إن هذه السابقة وضعت أول لبنة حقيقية للاتجاه الذي استقر لاحقاً في القضاء السوداني.

حادي عشر: سابقة محمد أحمد علي ضد النائب العام (1987م) وإشكالية الفهم الخاطئ لها

المرجع القضائي: محمد أحمد علي ضد النائب العام، مجلة الأحكام القضائية السودانية، 1987م، سابقة منشورة.

تعد هذه السابقة من أكثر السوابق إثارة للجدل في هذا الموضوع، وذلك بسبب تعدد التفسيرات التي أعطيت لها.

فقد ذهب بعض الباحثين إلى اعتبارها دليلاً على اختصاص القضاء الإداري بنظر قرارات النائب العام.

غير أن القراءة المتأنية للحكم تقود إلى نتيجة أكثر دقة.

فالمحكمة لم تقل إن جميع قرارات النائب العام تخضع للقضاء الإداري.

كما أنها لم تقرر أن كل قرار يصدر أثناء الدعوى الجنائية يعتبر قراراً إدارياً.

وإنما ركزت المحكمة على مسألة مختلفة تتمثل في مدى التزام النائب العام بالشروط والإجراءات التي فرضها القانون عند ممارسته للسلطة الممنوحة له.

وبعبارة أخرى فإن السابقة كانت تدور حول الرقابة على المشروعية القانونية، لا حول إعادة تكييف القرار باعتباره قراراً إدارياً.

وهذا الفهم ينسجم مع الاتجاه العام للقضاء السوداني الذي لم يكن يرغب في منح حصانة مطلقة لأي سلطة قانونية، وفي الوقت نفسه لم يكن يرغب في تحويل القضاء الإداري إلى جهة استئناف لقرارات النيابة العامة.

ومن ثم فإن سابقة محمد أحمد علي لا تمثل خروجاً على الاتجاه الذي بدأته سابقة أحمد إسماعيل يوسف، وإنما تمثل استكمالاً له من زاوية مختلفة.

فالسابقتان معاً تؤكدان خضوع أعمال النائب العام لمبدأ المشروعية، لكنهما لا تقرران بالضرورة خضوعها لدعوى الإلغاء الإداري بوصفها قرارات إدارية.

وفي الواقع فإن هذا التمييز الدقيق بين الرقابة القضائية واختصاص القضاء الإداري سيصبح أكثر وضوحاً في السوابق الحديثة التي سنتناولها في الجزء القادم من هذه الدراسة، وعلى رأسها سابقة خالد حسن إبراهيم الفكي ضد النائب العام، والتي تعد من أهم الأحكام القضائية السودانية المعاصرة في هذا الموضوع.

ثاني عشر: الأحكام الحديثة وبداية الحسم القضائي للمسألة

إذا كانت السوابق القضائية التي صدرت خلال ستينيات وثمانينيات القرن الماضي قد أرست المبادئ الأولية المتعلقة بالطبيعة القانونية لقرارات النائب العام، فإن التطورات التشريعية التي شهدها السودان لاحقاً، ولا سيما صدور قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، ثم قانون القضاء الإداري لسنة 2005م، وأخيراً قانون النيابة العامة لسنة 2017م، فرضت على القضاء إعادة النظر في المسألة في ضوء البيئة القانونية الجديدة.

وقد أدى ذلك إلى ظهور اتجاه قضائي أكثر تحديداً ودقة من الاتجاهات السابقة، اتجه بصورة متزايدة نحو التفرقة الواضحة بين الأعمال الإدارية التي تصدر من أجهزة الدولة وبين الأعمال التي تصدر من النيابة العامة أثناء مباشرتها لوظيفتها الأصيلة في إدارة الدعوى الجنائية.

ويلاحظ أن هذه المرحلة القضائية لم تعد منشغلة بالسؤال التقليدي المتعلق بإمكانية الرقابة على القرار فحسب، وإنما أصبحت تركز على سؤال أكثر جوهرية وهو:

هل يندرج القرار الصادر من النائب العام أثناء ممارسته لاختصاصاته الجنائية ضمن مفهوم القرار الإداري أصلاً؟

وكانت الإجابة عن هذا السؤال هي التي شكلت نقطة التحول الأساسية في القضاء السوداني الحديث.

ثالث عشر: سابقة نافع علي نافع ضد النائب العام (2020م)

المرجع القضائي: نافع علي نافع ضد النائب العام، م ع/ط أ س/7/2020م، مجلة الأحكام القضائية السودانية، 2020م، سابقة منشورة.

تمثل هذه السابقة إحدى المحطات المهمة في تطور القضاء الإداري السوداني، لأنها تناولت بصورة مباشرة العلاقة بين السلطات المخولة للنائب العام بموجب القوانين الجنائية وبين مفهوم القرار الإداري.

وقد انطلقت المحكمة في تحليلها من نقطة أساسية مؤداها أن مصدر السلطة القانونية ليس أمراً عرضياً في عملية التكييف القانوني، بل يمثل عنصراً جوهرياً في تحديد طبيعة القرار.

فإذا كانت السلطة التي استند إليها القرار مستمدة من قانون الإجراءات الجنائية أو قانون النيابة العامة، وكان الغرض منها مرتبطاً بسير الدعوى الجنائية، فإن القرار يكتسب طبيعته القانونية من هذا المصدر.

وهذه النتيجة تنسجم مع المبادئ العامة في الفقه الإداري المقارن.

فالأعمال لا توصف بأنها إدارية لمجرد صدورها من جهة عامة، وإنما بالنظر إلى الوظيفة القانونية التي تؤديها.

وقد أكدت المحكمة في هذه السابقة أن القرارات المرتبطة بممارسة الاختصاصات المقررة للنائب العام بموجب القوانين الجنائية لا تندرج ضمن القرارات الإدارية التقليدية التي تشكل محلاً لدعوى الإلغاء.

وتكمن أهمية هذا الحكم في أنه لم يعتمد فقط على وصف النائب العام، وإنما اعتمد على طبيعة الاختصاص الذي كان يمارسه عند إصدار القرار.

وبذلك اقترب القضاء السوداني من الاتجاهات الحديثة في القضاء المقارن التي تجعل طبيعة الوظيفة هي المعيار الحاسم في التكييف القانوني.

رابع عشر: سابقة خالد حسن إبراهيم الفكي ضد النائب العام (2020م)

المرجع القضائي: خالد حسن إبراهيم الفكي ضد النائب العام، م ع/ط أ س/108/2020م، المحكمة القومية العليا، مجلة الأحكام القضائية السودانية، 2020م، سابقة منشورة.

إذا كانت سابقة نافع علي نافع قد أسهمت في ترسيخ الاتجاه الحديث، فإن سابقة خالد حسن إبراهيم الفكي تعد بحق من أهم الأحكام القضائية السودانية التي عالجت موضوع الدراسة بصورة مباشرة وصريحة.

ويكاد هذا الحكم يمثل نقطة الحسم في الجدل القانوني الذي استمر سنوات طويلة حول طبيعة القرارات التي يصدرها النائب العام أثناء مباشرته لاختصاصاته في الدعوى الجنائية.

وقد واجهت المحكمة في هذه السابقة وضعاً قانونياً يرتبط بتدخل النائب العام في إجراءات دعوى جنائية قائمة وإصداره قراراً يتعلق بمصير تلك الدعوى.

وكان السؤال المطروح أمام المحكمة هو ما إذا كان هذا القرار يشكل قراراً إدارياً يمكن الطعن فيه أمام القضاء الإداري.

وجاءت إجابة المحكمة واضحة وحاسمة.

إذ قررت أن النائب العام عندما يتعامل مع الدعوى الجنائية فإنه يمارس اختصاصاً أصيلاً من الاختصاصات التي أناطها به القانون.

وأنه لا يعمل في هذه الحالة بوصفه سلطة إدارية وإنما بوصفه رأس النيابة العامة وصاحب الولاية القانونية على الدعوى الجنائية.

وانتهت المحكمة إلى نتيجة بالغة الأهمية مؤداها أن القرار الصادر في هذا الإطار لا تنطبق عليه أوصاف القرار الإداري الواردة في قانون القضاء الإداري.

وهذه النتيجة ليست مجرد تقرير لحكم إجرائي يتعلق بالاختصاص، وإنما تمثل موقفاً قضائياً متكاملاً من الطبيعة القانونية لعمل النيابة العامة.

فالقرار لا يفقد صفته الجنائية أو القضائية لمجرد صدوره من جهة حكومية.

كما أن ارتباط القرار بحقوق الأفراد لا يكفي وحده لإكسابه وصف القرار الإداري.

ذلك أن الأحكام القضائية نفسها تؤثر في حقوق الأفراد ومراكزهم القانونية، ومع ذلك لا تعتبر قرارات إدارية.

ومن هنا فإن المحكمة وضعت معياراً أكثر دقة يتمثل في طبيعة الوظيفة القانونية التي يمارسها مصدر القرار.

خامس عشر: تحليل الاتجاه القضائي الحديث

عند النظر إلى السوابق الحديثة مجتمعة، يتبين أن القضاء السوداني قد انتقل من مرحلة البحث في مشروعية القرار إلى مرحلة أكثر عمقاً تتمثل في تحديد طبيعته القانونية ابتداءً.

فبدلاً من التساؤل عما إذا كان القرار مشروعاً أو غير مشروع، أصبح السؤال الأول هو:

هل يدخل القرار أصلاً ضمن دائرة القرارات الإدارية التي يختص القضاء الإداري بنظرها؟

وهذا التطور يعكس نضجاً في التفكير القضائي، لأن مسألة الاختصاص الولائي تسبق منطقياً البحث في موضوع القرار.

فإذا ثبت أن القرار ليس قراراً إدارياً، فإن البحث في عيوب القرار الإداري يصبح غير ذي موضوع.

ومن خلال تحليل الأحكام السابقة يمكن استخلاص عدة مؤشرات تؤكد الاتجاه القضائي الحديث:

  • التركيز على طبيعة الوظيفة لا على صفة الجهة.
  • التمييز بين أعمال النيابة العامة الإدارية وأعمالها الجنائية.
  • اعتبار القرارات المرتبطة بسير الدعوى الجنائية من الأعمال القانونية الخاصة ذات الطبيعة القضائية أو شبه القضائية.
  • استبعاد هذه القرارات من مفهوم القرار الإداري الوارد في قانون القضاء الإداري.
  • الإبقاء على مبدأ المشروعية دون تحويل القضاء الإداري إلى جهة استئناف لأعمال النيابة العامة.

ويلاحظ أن هذا الاتجاه لا يقتصر على القضاء السوداني وحده، بل يتفق إلى حد بعيد مع ما استقر عليه القضاء المقارن في العديد من الأنظمة القانونية.

سادس عشر: موقف القضاء المصري من قرارات النيابة العامة

تكتسب التجربة المصرية أهمية خاصة بالنسبة للباحث السوداني، لأن القضاء الإداري السوداني تأثر تاريخياً بعدد من المفاهيم التي طورها مجلس الدولة المصري.

وقد استقر قضاء المحكمة الإدارية العليا في مصر على أن القرارات التي تصدرها النيابة العامة أثناء مباشرتها لاختصاصاتها القضائية أو المرتبطة بالدعوى الجنائية لا تعد قرارات إدارية.

المرجع: المستشار الدكتور محمد حامد الجمل، قضاء الإلغاء، دار النهضة العربية، ص 341 وما بعدها.

ويقوم هذا الاتجاه على أساس أن النيابة العامة عندما تباشر سلطاتها في التحقيق أو الاتهام أو التصرف في الدعوى الجنائية فإنها تؤدي وظيفة قضائية لا وظيفة إدارية.

ومن ثم فإن أعمالها لا تخضع لدعوى الإلغاء.

وتبدو أوجه التشابه بين هذا الاتجاه وبين ما انتهى إليه القضاء السوداني واضحة بصورة كبيرة.

فالأساس الفكري والقانوني واحد تقريباً، ويتمثل في أن طبيعة الوظيفة هي العنصر الحاسم في تحديد طبيعة القرار.

وهكذا يتبين أن القضاء السوداني لم ينشئ اتجاهاً استثنائياً أو منفرداً، وإنما سار في إطار اتجاه فقهي وقضائي واسع يجد سنده في العديد من النظم القانونية المقارنة.

وفي الجزء القادم من الدراسة سننتقل إلى تحليل آراء الفقه الإداري بصورة تفصيلية، ثم مناقشة الحجج التي يمكن أن يستند إليها القائلون بخضوع بعض قرارات النائب العام للقضاء الإداري، قبل الوصول إلى استخلاص القاعدة القانونية النهائية الحاكمة للمسألة.

سابع عشر: موقف الفقه الإداري من أعمال النيابة العامة ومعيار التفرقة بين الوظيفة الإدارية والوظيفة القضائية

إذا كان القضاء هو الذي يضع التطبيق العملي للنصوص القانونية، فإن الفقه القانوني يظل المعمل الفكري الذي تتشكل فيه النظريات والمبادئ التي يسترشد بها القضاء عند تفسير القانون.

ولذلك فإن دراسة موقف الفقه الإداري من أعمال النيابة العامة تعد أمراً ضرورياً لفهم الأساس النظري الذي استندت إليه الأحكام القضائية السودانية الحديثة عند تكييف قرارات النائب العام.

وقد انقسم الفقه الإداري تاريخياً إلى اتجاهات متعددة في تفسير طبيعة الأعمال الصادرة عن الجهات التي تمارس اختصاصات مختلطة تجمع بين عناصر إدارية وأخرى قانونية أو قضائية.

إلا أن الاتجاه الغالب استقر في نهاية المطاف على أن معيار التفرقة لا يقوم على صفة الجهة المصدرة للقرار، وإنما على طبيعة الوظيفة التي كانت تمارسها عند إصدار ذلك القرار.

المرجع: الدكتور سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري – قضاء الإلغاء، دار الفكر العربي، الطبعة الثالثة، ص 824.

ويقرر الدكتور الطماوي أن بعض الجهات العامة قد تمارس اختصاصات إدارية في مرحلة معينة، ثم تمارس اختصاصات قضائية أو شبه قضائية في مرحلة أخرى، وأن طبيعة القرار تتغير تبعاً لطبيعة الوظيفة الممارسة لا تبعاً لاسم الجهة أو موقعها التنظيمي.

وهذا الرأي يمثل في الحقيقة حجر الأساس في فهم أعمال النيابة العامة.

فالنيابة العامة قد تصدر قرارات تتعلق بالتعيين أو النقل أو توزيع العمل أو تنظيم الهيكل الإداري الداخلي، وهي أعمال تندرج بطبيعتها ضمن النشاط الإداري.

لكنها قد تصدر في المقابل قرارات تتعلق بالتحري أو الاتهام أو مراجعة الإجراءات الجنائية أو التصرف في الدعوى العمومية، وهي أعمال تختلف من حيث الطبيعة والغاية والمصدر القانوني.

ومن ثم فإن إخضاع النوعين لذات النظام القانوني يؤدي إلى خلط بين وظائف مختلفة في طبيعتها وأهدافها وآثارها القانونية.

ثامن عشر: رأي الفقه المقارن في أعمال النيابة العامة

المرجع: الدكتور ماجد راغب الحلو، القضاء الإداري، دار المطبوعات الجامعية، 1995م، ص 286.

يذهب الدكتور ماجد راغب الحلو إلى أن أعمال النيابة العامة التي تصدر بمناسبة مباشرتها لوظيفتها القضائية أو المرتبطة بالدعوى الجنائية لا تعد قرارات إدارية، ولا تخضع لدعوى الإلغاء.

ويضرب لذلك أمثلة عديدة تشمل قرارات القبض والتفتيش والحبس والإحالة للمحاكمة والتصرف في الدعوى الجنائية.

ويقوم هذا الرأي على أساس منطقي يتمثل في أن النيابة العامة عند اتخاذ هذه القرارات لا تمارس سلطة الإدارة العامة، وإنما تمارس وظيفة العدالة الجنائية.

ويلاحظ أن هذا التحليل يكاد يتطابق بصورة كبيرة مع الاتجاه الذي استقرت عليه المحكمة القومية العليا في السودان خلال السنوات الأخيرة.

فكل من الفقه والقضاء ينطلقان من ذات الفكرة الأساسية، وهي أن طبيعة الوظيفة هي التي تحدد طبيعة القرار.

ولا شك أن هذا الاتجاه ينسجم كذلك مع المبادئ العامة للفصل بين السلطات.

ذلك أن إخضاع جميع أعمال النيابة العامة للقضاء الإداري قد يؤدي عملياً إلى نقل جزء من إدارة الدعوى الجنائية إلى جهة قضائية أخرى لم يمنحها القانون هذا الاختصاص.

تاسع عشر: هل يؤدي استبعاد الاختصاص الإداري إلى تحصين قرارات النائب العام؟

من أكثر الحجج التي يثيرها أنصار التوسع في اختصاص القضاء الإداري القول بأن استبعاد قرارات النائب العام من ولاية القضاء الإداري يؤدي إلى تحصينها من الرقابة القضائية.

وهذه الحجة تبدو للوهلة الأولى مقنعة، غير أن التحليل القانوني الدقيق يكشف أنها تقوم على خلط بين مفهومين مختلفين:

  • التحصين من الرقابة القضائية.
  • الخروج من ولاية القضاء الإداري.

فليس كل قرار يخرج من ولاية القضاء الإداري يصبح محصناً من الرقابة القضائية.

إذ إن الأحكام القضائية نفسها لا تخضع للقضاء الإداري، ومع ذلك فإنها تخضع لطرق الطعن والمراجعة المقررة قانوناً.

وكذلك الأمر بالنسبة للأعمال شبه القضائية.

فهي لا تخضع بالضرورة لدعوى الإلغاء، ولكنها قد تخضع لوسائل أخرى من الرقابة يحددها القانون.

ومن هنا فإن الاتجاه الذي استقر عليه القضاء السوداني لا يعني منح النائب العام حصانة مطلقة، وإنما يعني فقط أن الرقابة على أعماله يجب أن تتم عبر الوسائل القانونية الملائمة لطبيعة تلك الأعمال.

وهذه نقطة بالغة الأهمية لأن كثيراً من الكتابات القانونية تخلط بين الاختصاص الإداري وبين الرقابة القضائية بصورة عامة.

عشرون: إشكالية عيب إساءة استعمال السلطة في قرارات النائب العام

يثير بعض الفقهاء تساؤلاً مهماً حول ما إذا كان ثبوت إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها يمكن أن يؤدي إلى خضوع قرار النائب العام لرقابة القضاء الإداري.

وللإجابة عن هذا التساؤل يجب أولاً التفرقة بين أمرين:

  • وجود عيب قانوني في القرار.
  • اختصاص القضاء الإداري بنظر القرار.

فوجود العيب لا يؤدي تلقائياً إلى انعقاد الاختصاص الإداري.

إذ يجب قبل البحث في العيب التحقق من طبيعة القرار نفسه.

فإذا كان القرار لا يدخل أصلاً ضمن القرارات الإدارية، فإن البحث في عيوب القرار الإداري يصبح غير ذي محل.

ولهذا السبب نجد أن كثيراً من الأحكام الحديثة بدأت أولاً بحسم مسألة التكييف القانوني قبل الانتقال إلى أي مسألة أخرى.

ومع ذلك فإن القضاء السوداني لم يغلق الباب بصورة مطلقة أمام الرقابة على القرارات المشوبة بالانحراف أو إساءة استعمال السلطة.

بل ظل متمسكاً بمبدأ المشروعية وخضوع جميع سلطات الدولة للقانون.

غير أن هذه الرقابة لا تعني بالضرورة أن القرار يصبح قراراً إدارياً أو أن طريق دعوى الإلغاء هو الطريق القانوني المناسب للطعن فيه.

واحد وعشرون: أثر مبدأ الفصل بين السلطات في تحديد الاختصاص

يعد مبدأ الفصل بين السلطات من المبادئ الدستورية الأساسية التي تحكم توزيع الاختصاصات داخل الدولة الحديثة.

ويقتضي هذا المبدأ أن تمارس كل سلطة اختصاصاتها ضمن الحدود التي رسمها لها القانون دون تدخل من سلطة أخرى في صميم وظائفها.

وعند تطبيق هذا المبدأ على موضوع الدراسة نجد أن النيابة العامة تضطلع بدور محوري في إدارة الدعوى الجنائية.

فهي الجهة التي عهد إليها القانون بتحريك الدعوى العمومية والإشراف على التحري وتوجيه الاتهام ومتابعة الإجراءات الجنائية.

ومن ثم فإن تمكين القضاء الإداري من مراجعة القرارات الصادرة أثناء مباشرة هذه الوظيفة قد يؤدي إلى تداخل الاختصاصات بصورة تخرج عن المقصود من التنظيم التشريعي.

ولهذا السبب نجد أن القضاء المقارن غالباً ما يتجه إلى احترام الحدود الفاصلة بين الوظيفة الإدارية ووظيفة العدالة الجنائية.

ولا يعني ذلك إعفاء النيابة العامة من الخضوع للقانون، وإنما يعني فقط إخضاعها للنظام الرقابي الذي يتفق مع طبيعة اختصاصاتها.

اثنان وعشرون: استخلاص الاتجاه القضائي السوداني المستقر

بعد استعراض النصوص القانونية والفقه الإداري والسوابق القضائية السودانية، يمكن القول إن الاتجاه القضائي السوداني مر بثلاث مراحل رئيسية:

  • مرحلة التأكيد على خضوع أعمال النائب العام لمبدأ المشروعية.
  • مرحلة التمييز بين القرار الإداري والعمل شبه القضائي.
  • مرحلة استقرار القضاء على أن القرارات المرتبطة مباشرة بسير الدعوى الجنائية لا تعد قرارات إدارية.

ويظهر هذا التطور بوضوح عند قراءة السوابق القضائية قراءة متكاملة لا مجتزأة.

فلا توجد قطيعة حقيقية بين الأحكام القديمة والأحكام الحديثة.

وإنما يوجد تطور تدريجي في فهم طبيعة الوظيفة التي تمارسها النيابة العامة.

وقد انتهى هذا التطور إلى نتيجة تكاد تكون مستقرة في القضاء السوداني المعاصر، مؤداها أن القرار الذي يصدره النائب العام أثناء مباشرته لاختصاصاته في التحري أو التحقيق أو الاتهام أو التصرف في الدعوى الجنائية لا يندرج في الأصل ضمن مفهوم القرار الإداري الوارد في قانون القضاء الإداري.

ولذلك فإنه يخرج من حيث الأصل عن ولاية دعوى الإلغاء الإدارية.

وفي الجزء الأخير من هذه الدراسة سيتم تناول الاستنتاجات النهائية والرد بصورة مباشرة على السؤال محل البحث، مع عرض الرأي الراجح الذي يمكن استخلاصه من مجمل التشريعات والفقه والسوابق القضائية السودانية.

ثلاثة وعشرون: الإجابة على السؤال محل الدراسة في ضوء النصوص القانونية والفقه والسوابق القضائية

بعد استعراض الإطار النظري للقرار الإداري، وبيان الطبيعة القانونية لأعمال النيابة العامة، وتحليل السوابق القضائية السودانية والفقه الإداري المقارن، يصبح من الممكن الانتقال إلى الإجابة المباشرة عن السؤال الذي قامت عليه هذه الدراسة:

هل تخضع قرارات النائب العام في الدعوى الجنائية لرقابة القضاء الإداري؟

وللوصول إلى إجابة علمية دقيقة، لا بد من تجنب التعميم المطلق الذي يؤدي إما إلى إخضاع جميع قرارات النائب العام للقضاء الإداري أو إلى استبعادها جميعاً من أي رقابة قضائية.

فمثل هذا التعميم لا يجد سنده لا في الفقه ولا في القضاء.

والذي يظهر من استقراء الأحكام القضائية السودانية أن المسألة تتوقف على طبيعة القرار ذاته والوظيفة التي كان النائب العام يمارسها عند صدوره.

فإذا كان القرار متعلقاً بتنظيم العمل الإداري داخل النيابة العامة أو بإدارة شؤونها التنظيمية والوظيفية، فإن القرار يكتسب بطبيعته وصف القرار الإداري ويخضع للقواعد العامة في الرقابة الإدارية.

أما إذا كان القرار صادراً أثناء ممارسة النائب العام لاختصاصاته في التحري أو التحقيق أو الاتهام أو التصرف في الدعوى الجنائية أو مراجعة الإجراءات المرتبطة بها، فإن طبيعة القرار تختلف بصورة جوهرية.

ذلك أن النائب العام في هذه الحالة لا يمارس سلطة الإدارة العامة، وإنما يمارس سلطة قانونية خاصة أنشأها المشرع لخدمة العدالة الجنائية.

ومن ثم فإن القرار يكتسب طبيعته من هذه الوظيفة لا من الصفة الوظيفية لشخص مصدره.

وهذه هي النتيجة التي انتهى إليها القضاء السوداني الحديث بصورة متكررة ومتسقة.

أربعة وعشرون: لماذا لا تعد هذه القرارات قرارات إدارية؟

يمكن تلخيص الأساس القانوني الذي استند إليه القضاء والفقه في استبعاد قرارات النائب العام المتعلقة بالدعوى الجنائية من مفهوم القرار الإداري في عدة اعتبارات مترابطة.

أول هذه الاعتبارات أن القرار الإداري يفترض وجود نشاط إداري يستهدف إدارة مرفق عام أو تنظيم خدمة عامة أو ممارسة امتيازات السلطة العامة في المجال الإداري.

أما القرارات الصادرة أثناء مباشرة الدعوى الجنائية فإنها لا تستهدف إدارة مرفق إداري، وإنما تستهدف تطبيق القانون الجنائي وتحقيق العدالة الجنائية.

وثاني هذه الاعتبارات أن مصدر السلطة القانونية مختلف في الحالتين.

فالقرار الإداري يستمد وجوده من الاختصاصات الإدارية المخولة للجهة العامة.

بينما تستمد قرارات النائب العام المتعلقة بالدعوى الجنائية وجودها من قانون الإجراءات الجنائية وقانون النيابة العامة.

وثالث هذه الاعتبارات أن الإجراءات التي تسبق صدور القرار تختلف اختلافاً جوهرياً.

فالقرار الإداري غالباً ما يصدر في إطار إدارة المرافق العامة.

أما القرار الصادر في الدعوى الجنائية فيأتي بعد دراسة وقائع وتحريات وأدلة ومراكز قانونية تتعلق بالاتهام والدفاع والمصلحة العامة.

وهذه كلها عناصر تقرب القرار من الأعمال القضائية أو شبه القضائية.

أما الاعتبار الرابع فهو أن آثار القرار لا تتجه إلى تنظيم النشاط الإداري، وإنما تتصل مباشرة بسير الدعوى الجنائية.

ومن هنا جاءت التفرقة التي استقرت عليها المحاكم بين القرار الإداري والعمل شبه القضائي.

خمسة وعشرون: قراءة نقدية للاتجاه القضائي السوداني

رغم قوة الاتجاه الذي استقر عليه القضاء السوداني، فإن الباحث القانوني لا يكتفي بعرض الأحكام وإنما يتعين عليه تقييمها ونقدها بصورة علمية.

وعند النظر إلى هذا الاتجاه القضائي نجد أنه يتمتع بعدد من المزايا المهمة.

فهو أولاً يحافظ على التوازن بين مبدأ المشروعية ومبدأ الفصل بين السلطات.

كما أنه يمنع تحول القضاء الإداري إلى جهة استئناف لأعمال النيابة العامة.

ويحافظ كذلك على استقلال النيابة العامة في أداء وظيفتها الأساسية في تحريك الدعوى الجنائية والإشراف عليها.

ومن ناحية أخرى فإن هذا الاتجاه لا يؤدي إلى تحصين قرارات النائب العام من الرقابة القانونية كما يظن البعض.

فالرقابة القضائية تظل قائمة، ولكنها تمارس عبر الآليات والطرق التي تتفق مع طبيعة الدعوى الجنائية.

ومع ذلك يمكن القول إن بعض الأحكام القديمة تركت مجالاً لتفسيرات مختلفة بسبب عدم وضوح التفرقة بين مفهوم الرقابة القضائية بصورة عامة وبين اختصاص القضاء الإداري على وجه الخصوص.

غير أن الأحكام الحديثة نجحت إلى حد كبير في إزالة هذا اللبس وإعادة بناء المبدأ على أسس أكثر دقة.

ستة وعشرون: أثر قانون القضاء الإداري لسنة 2005م على المسألة

من الملاحظ أن كثيراً من المناقشات القانونية في هذا الموضوع تتعامل مع قانون القضاء الإداري لسنة 2005م باعتباره نقطة البداية في تحديد الاختصاص.

والحقيقة أن أهمية هذا القانون لا تكمن فقط في إنشائه لنظام متكامل للرقابة على الإدارة، وإنما في تقديمه تعريفاً تشريعياً للقرار الإداري.

وقد أصبح هذا التعريف هو المعيار الذي تلجأ إليه المحاكم عند تحديد نطاق اختصاصها.

وعندما يطبق هذا التعريف على القرارات التي تصدر أثناء مباشرة الدعوى الجنائية تظهر صعوبة إدراجها ضمن مفهوم القرار الإداري.

إذ إن الوظيفة التي تصدر في إطارها هذه القرارات تختلف بطبيعتها عن الوظيفة الإدارية التي استهدفها المشرع عند تنظيم دعوى الإلغاء.

ومن ثم فإن الأحكام الحديثة لم تكن تبتدع مبدأً جديداً، وإنما كانت تطبق التعريف القانوني للقرار الإداري على واقع قانوني مختلف بطبيعته.

سبعة وعشرون: موقف الباحث

بعد دراسة النصوص القانونية وتحليل الفقه والسوابق القضائية السودانية والمقارنة، أميل إلى تأييد الاتجاه الذي استقر عليه القضاء السوداني الحديث.

فالقرار الصادر من النائب العام أثناء مباشرته لاختصاصاته في الدعوى الجنائية لا يمكن تكييفه باعتباره قراراً إدارياً لمجرد صدوره من جهة عامة.

ذلك أن المعيار الصحيح في التكييف هو طبيعة الوظيفة لا هوية الجهة.

وإذا كان النائب العام يمارس في تلك الحالة سلطة قانونية متصلة بالعدالة الجنائية، فإن القرار يكتسب طبيعته من هذه السلطة.

كما أن إخضاع هذه القرارات لدعوى الإلغاء الإدارية قد يؤدي عملياً إلى إضعاف الحدود الفاصلة بين الاختصاصات القانونية المختلفة داخل الدولة.

وفي المقابل فإن استبعادها من ولاية القضاء الإداري لا يعني إعفاءها من الرقابة القانونية أو منحها حصانة مطلقة.

بل يعني فقط أن الرقابة عليها ينبغي أن تتم وفق القواعد والإجراءات التي تتفق مع طبيعتها القانونية الخاصة.

الخاتمة

تكشف هذه الدراسة أن الجدل حول خضوع قرارات النائب العام للقضاء الإداري ليس في حقيقته جدلاً حول الرقابة القضائية بقدر ما هو جدل حول التكييف القانوني لتلك القرارات.

فإذا اعتبرت هذه القرارات قرارات إدارية انعقد الاختصاص للقضاء الإداري.

أما إذا اعتبرت أعمالاً قضائية أو شبه قضائية فإنها تخرج من نطاق دعوى الإلغاء وتخضع لنظام قانوني مختلف.

وقد أظهر التحليل أن الفقه الإداري المقارن والقضاء السوداني الحديث يتجهان بصورة واضحة نحو اعتبار القرارات التي يصدرها النائب العام أثناء مباشرته لاختصاصاته في الدعوى الجنائية من قبيل الأعمال القانونية ذات الطبيعة القضائية أو شبه القضائية.

كما بينت الدراسة أن هذا الاتجاه لا يقوم على فكرة تحصين أعمال النيابة العامة، وإنما على فكرة احترام طبيعة الوظيفة القانونية التي تمارسها تلك الجهة.

وانتهت الدراسة إلى أن المبدأ القضائي المستقر في السودان مؤداه أن:

الأصل أن القرارات التي يصدرها النائب العام أثناء مباشرته لاختصاصاته في التحري والتحقيق والإشراف على الدعوى الجنائية والتصرف فيها لا تعد قرارات إدارية بالمعنى المقصود في قانون القضاء الإداري، ومن ثم لا تخضع من حيث الأصل لولاية دعوى الإلغاء الإدارية، وذلك دون إخلال بخضوعها لمبدأ المشروعية والرقابة القانونية المقررة وفق طبيعتها الخاصة.

وهذا المبدأ يمثل ـ في تقدير الباحث ـ النتيجة الأكثر اتساقاً مع نصوص القانون السوداني، ومع الاتجاهات الحديثة في الفقه الإداري، ومع السوابق القضائية التي أرستها المحكمة العليا والمحكمة القومية العليا خلال العقود الأخيرة.


انتهت الدراسة

Your Legal Advisor مستشارك القانوني
Your Legal Advisor مستشارك القانوني
تعليقات