📁 آخر الأخبار

أثر تعديل المادة 269من قانون الشركات 2015 تعريف شركة القطاع العام (2025م) وأثره على الرقابة المالية والقانونية للدولة

أثر تعديل تعريف شركة القطاع العام (2025م) على الرقابة المالية والقانونية للدولة | دراسة قانونية تحليلية شاملة

أثر تعديل تعريف شركة القطاع العام (2025م) على الرقابة المالية والقانونية للدولة

دراسة تحليلية سردية شاملة في ضوء قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م
إعداد: المستشار/ مصعب عادل سليمان
وزارة العدل – جمهورية السودان
المقدمة

شهد التشريع السوداني خلال العام 2025م تعديلاً جوهرياً على قانون الشركات لسنة 2015م، تمثل في إعادة تعريف "شركة القطاع العام" في المادة (269) منه، حيث أصبحت شركة القطاع العام هي الشركة المسجلة بموجب أحكام القانون والمملوكة بالكامل لأجهزة الدولة الاتحادية أو الولائية بنسبة 100%. هذا التعديل – رغم أهميته النظرية – أثار إشكاليات قانونية متعددة ومتشعبة، أبرزها: مدى استمرار خضوع الشركات التي تملك الدولة فيها نسباً أقل من 100% (كالشركات المختلطة التي تتراوح ملكية الدولة فيها بين 20% و99%) للرقابة المالية الحكومية (وزارة المالية، المراجع القومي، المراجعون الداخليون) والولاية القانونية (وزارة العدل).

وقد أثيرت حجتان رئيسيتان في هذا الجدل: الحجة الأولى تقول أن قانون الشركات هو قانون خاص والخاص يقيد العام، والحجة الثانية تقول أن التعديل اللاحق يقيد السابق. في المقابل، يرى رأي ثالث أن قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م يقدم إجابات حاسمة لهذه الإشكاليات من خلال قواعد التفسير المستقرة فيه، والتي تمنع الإلغاء الضمني للاختصاصات وتقرر مبدأ أن التعريفات تسري فقط داخل القانون الذي وردت فيه.

الفصل الأول: الإطار التشريعي للرقابة المالية والولاية القانونية
أولاً: قانون تنظيم وزارة العدل لسنة 2017م (الساري حالياً)

التحليل: هذا القانون – وهو الساري حالياً – لم يتعرض للتعديل أو الإلغاء بعد تعديل 2025م. وتعريفه لـ"أجهزة الدولة" لم يعدل، وبالتالي يظل نافذاً ومطبقاً على الشركات التي كانت تعتبر من "أجهزة الدولة". ومن المبادئ المستقرة أن الإلغاء الضمني لا يفترض.

ثانياً: قانون الإجراءات المالية والمحاسبية لسنة 2007م

التحليل: هذا القانون لم يتعرض للتعديل، وبالتالي تظل نصوصه سارية. ولما كانت المادة (3) تشمل الشركات التي تملك الحكومة فيها 20% فأكثر، فإن هذه الشركات تظل خاضعة للرقابة المالية من وزارة المالية والمراجعين الداخليين بغض النظر عن تعريفها في قانون الشركات.

ثالثاً: قانون ديوان المراجعة القومي لسنة 2007م

التحليل: هذا القانون أيضاً لم يتعرض للتعديل. تعريفه للأجهزة الخاضعة للمراجعة أوسع بكثير من تعريف قانون الشركات المعدل، حيث يشمل ثلاث حالات: الملكية الكاملة (100%)، المساهمة بنسبة 20% أو أكثر، ومجرد التمويل أو الإشراف. وبالتالي، تظل الشركات المختلطة خاضعة لرقابة المراجع القومي.

رابعاً: قانون الشركات لسنة 2015م (المعدل لسنة 2025م)

التحليل: هذا التعديل – رغم أهميته – لم يتضمن نصاً صريحاً بإلغاء أو تعديل أي من القوانين السابقة (الإجراءات المالية، المراجعة القومي، تنظيم وزارة العدل). كما لم يتضمن نصاً يحدد أثر هذا التعريف على القوانين الأخرى.

الفصل الثاني: قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م – النصوص الحاكمة
المادة (5): عدم الرجعية وحفظ المراكز القانونية

التحليل: أي قانون جديد – بما في ذلك تعديل 2025م – لا يؤثر على المراكز القانونية القائمة قبله إلا بنص صريح. والمركز القانوني القائم هنا هو اختصاصات وزارة المالية والمراجع القومي والمراجعين الداخليين ووزارة العدل. وحيث أن تعديل 2025م لم ينص صراحة على إلغاء هذه الاختصاصات، فإنها تبقى قائمة.

المادة (10): استمرارية السلطات والواجبات

التحليل: السلطات المقررة بموجب القانون – كسلطة وزارة المالية في الرقابة المالية (المادة 12 من قانون الإجراءات المالية) وسلطة المراجع القومي في مراجعة الحسابات وسلطة وزير العدل في التمثيل القضائي – تُعتبر مستمرة وقابلة للاستمرار من وقت لآخر. والتعديل الذي لا ينص صراحة على سحب هذه السلطة لا يؤدي إلى زوالها.

المادة (14): استمرار صلاحية النصوص السابقة

التحليل: الإلغاء لا يفترض، بل يحتاج إلى نص صريح. فقوانين الرقابة المالية (2007) وقانون تنظيم وزارة العدل (2017) لم تُلغَ بتعديل 2025م، وبالتالي تبقى نافذة ومطبقة.

المادة (15): عدم الإلغاء الضمني (أهم المواد)

التحليل: هذه المادة تضع شرطين فقط للإلغاء: وجود نص صريح، أو تعارض حتمي يستحيل معه التوفيق بين النصوص. بتطبيق ذلك على حالتنا:

  • هل يوجد نص صريح في تعديل 2025م يلغي اختصاصات الرقابة المالية أو الولاية القانونية؟ لا. فالمادة (269) المعدلة لم تشِر إلى أي من هذه القوانين.
  • هل هناك تعارض حتمي بين تعريف شركة القطاع العام في قانون الشركات وتطبيق قوانين الرقابة المالية على الشركات المختلطة؟ لا. يمكن الجمع بين النصوص بسهولة، وذلك بتطبيق كل تعريف في مجال قانون他自己的. فقانون الشركات يُستخدم لأغراض تنظيم الشركات، وقوانين الرقابة المالية تُستخدم لأغراض حماية المال العام.

وبالتالي، فإن شرط "استحالة التوفيق" غير متحقق، ومن ثم لا يقع إلغاء ضمني لاختصاصات الرقابة المالية أو الولاية القانونية.

المادة (18): التعريفات تسري فقط داخل القانون الذي وردت فيه

التحليل: هذه المادة بالغة الأهمية، لأنها تقرر أن التعريف الوارد في قانون الشركات يسري فقط داخل قانون الشركات نفسه، وليس على القوانين الأخرى. فكل قانون له تعريفاته المستقلة التي تسري فقط داخل نطاقه. وبالتالي، فإن تعديل تعريف شركة القطاع العام في قانون الشركات لا يُلزم المشرع أو القضاء باستخدام نفس التعريف في القوانين الأخرى.

المادة (35): بدء سريان القانون وعدم الرجعية

التحليل: هذه المادة تمنع التفسير الرجعي للتعديل. فحتى لو قيل بأن التعديل يُخرج الشركات المختلطة من نطاق الرقابة الحكومية، فإن هذا الإخراج – لو صح – لا يسري بأثر رجعي، أي أنه لا يؤثر على المراكز القانونية التي تكونت قبل التعديل.

الفصل الثالث: تحليل الحجج المطروحة في ضوء قانون التفسير
الحجة الأولى: "قانون الشركات هو قانون خاص والخاص يقيد العام"

الرد: قاعدة "الخاص يقيد العام" ليست مطلقة، بل هي أداة تفسيرية تُستخدم عند تعذر التوفيق بين النصوص. وفي حالتنا، يمكن التوفيق بين النصوص. كما أن قانون تفسير القوانين لم يذكر هذه القاعدة كسبب للإلغاء الضمني. والأصح أن الخاص يُطبق في مجاله، والعام يُطبق في مجاله، دون إلغاء.

الحجة الثانية: "التعديل اللاحق يقيد السابق"

الرد: قاعدة "اللاحق يقيد السابق" ليست مطلقة في قانون التفسير السوداني. فالمادة (15) تضع شرطين للإلغاء: النص الصريح أو التعارض الحتمي. مجرد كون القانون لاحقاً لا يكفي لوحده لإلغاء النصوص السابقة. ولو أخذنا بهذه القاعدة على إطلاقها، لأدى ذلك إلى نتائج غير معقولة، مثل إلغاء أحكام قانون الإجراءات المالية بأكمله بمجرد تعديل تعريف في قانون الشركات.

الحجة الثالثة: "المادة (269) المعدلة صرحت بأن شركة القطاع العام هي المملوكة بنسبة 100% فقط"

الرد: هذا صحيح، ولكن هذا التعريف مقصور على قانون الشركات نفسه، عملاً بالمادة (18) من قانون التفسير التي تقرر أن التعريفات تسري فقط داخل القانون الذي وردت فيه. سياق قانون الشركات هو تنظيم تكوين الشركات وإدارتها، أما سياق قوانين الرقابة المالية فهو حماية المال العام. ولأن السياقين مختلفان، فإن التعريفات لا تنتقل من قانون إلى آخر.

الفصل الرابع: التطبيق العملي – دراسات الحالات حسب نسب الملكية
نسبة ملكية الدولةوفق قانون الشركات (المعدل 2025)وفق قانون الإجراءات المالية (2007)وفق قانون المراجعة القومي (2007)النتيجة
70% (مثال)ليست شركة قطاع عامجهاز دولة (20% فأكثر)خاضعة للمراجعةتخرج من تعريف قانون الشركات فقط، وتظل خاضعة للرقابة المالية والولاية القانونية
25%ليست شركة قطاع عامجهاز دولة (20% فأكثر)خاضعة للمراجعةنفس النتيجة السابقة
19% (أقل من 20%)ليست شركة قطاع عامليست جهاز دولةقد تخضع إذا توفر تمويل/إشرافقد تخرج من الرقابة إذا لم تتوفر شروط التمويل أو الإشراف
100%شركة قطاع عامجهاز دولةخاضعة للمراجعةلا أثر للتعديل عليها
الفصل الخامس: الإجابة على السؤال الرئيسي
السؤال: هل يؤدي تعديل تعريف شركات القطاع العام في قانون الشركات لسنة 2025م إلى إخراج هذه الشركات بالكامل من نطاق الرقابة المالية والقانونية الحكومية؟ وهل يفقد المراجع القومي ووزارة المالية والمراجعون الداخليون والمستشارون القانونيون بوزارة العدل اختصاصاتهم فجأة لمجرد تغيير تعريف ورد في تعديل قانون الشركات؟

الإجابة: لا، ليس بالضرورة.

أولاً: بالنسبة للرقابة المالية (وزارة المالية)

تظل الشركات التي تملك الدولة فيها نسبة 20% أو أكثر خاضعة لرقابة وزارة المالية استناداً إلى المادة (3) والمادة (12) من قانون الإجراءات المالية والمحاسبية لسنة 2007م، وهو قانون لم يتأثر بتعديل 2025م.

ثانياً: بالنسبة لرقابة المراجع القومي

تظل هذه الشركات خاضعة لرقابة المراجع القومي استناداً إلى المادة (3) من قانون ديوان المراجعة القومي لسنة 2007م، التي تشمل الشركات التي تملك الدولة فيها 20% فأكثر أو تمولها أو تشرف عليها.

ثالثاً: بالنسبة للمراجعين الداخليين

يظل وجود المراجعين الداخليين في هذه الشركات إلزامياً استناداً إلى المادة (18) من قانون الإجراءات المالية والمحاسبية.

رابعاً: بالنسبة للمستشارين القانونيين بوزارة العدل

تظل ولاية المستشارين القانونيين على هذه الشركات قائمة استناداً إلى المادة (5) والمادة (9) من قانون تنظيم وزارة العدل لسنة 2017م، واستمرار تعريف "أجهزة الدولة" في هذا القانون، وغياب النص الصريح في تعديل 2025م على إلغاء اختصاص وزارة العدل.

الجهة الرقابيةهل تظل مختصة؟ (ملكية 20% فأكثر)السند القانوني
وزارة المالية✔️ نعمم(3)، م(12) قانون الإجراءات المالية 2007
المراجع القومي✔️ نعمم(3) قانون المراجعة القومي 2007
المراجعون الداخليون✔️ نعمم(18) قانون الإجراءات المالية 2007
المستشارون القانونيون (وزارة العدل)✔️ نعمم(3)، م(5)، م(9) قانون تنظيم وزارة العدل 2017
الفصل السادس: الخاتمة والنتائج
  • لا إلغاء ضمني للاختصاصات الرقابية والقانونية (المادة 15 من قانون التفسير)، لعدم وجود نص صريح أو تعارض حتمي.
  • تعريف شركة القطاع العام في قانون الشركات يسري فقط داخل قانون الشركات نفسه (المادة 18 من قانون التفسير).
  • المراكز القانونية القائمة قبل التعديل محفوظة (المادة 5 من قانون التفسير).
  • السلطات المقررة بموجب القوانين مستمرة (المادة 10 من قانون التفسير).
  • الشركات التي تملك الدولة فيها 20% فأكثر تظل خاضعة للرقابة المالية الكاملة والولاية القانونية.
  • الشركات التي تملك الدولة فيها أقل من 20% قد تخرج من الرقابة إذا لم تتوفر شروط التمويل أو الإشراف في قانون المراجعة القومي.
الفصل السابع: التوصيات
  • لوزارة المالية والمراجع القومي: إصدار تعميم مشترك يوضح أن تعديل تعريف شركة القطاع العام لا يؤثر على اختصاصاتهما الرقابية.
  • لوزارة العدل ( المحامي العام لجمهورية ): إصدار فتوى رسمية تفسر العلاقة بين تعديل 2025م وقوانين الرقابة المالية والولاية القانونية في ضوء قانون تفسير القوانين.
  • للهيئة التشريعية: إذا كان مقصود المشرع إخراج الشركات المختلطة من كل أشكال الرقابة، فليقم بتعديل صريح لقوانين الإجراءات المالية والمراجعة القومي وتنظيم وزارة العدل.
  • للقضاء السوداني: اعتماد المبادئ المستقرة في قانون تفسير القوانين (خاصة المادة 15) عند الفصل في المنازعات المتعلقة بهذا الموضوع.
  • للإدارات القانونية في الشركات المختلطة: الاستمرار في الالتزام بتطبيق قوانين الرقابة المالية، وعدم الاعتماد على تأويلات غير مدعومة بنصوص قانونية صريحة.
المراجع القانونية:
- قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م – المواد (5)، (10)، (14)، (15)، (18)، (19)، (35).
- قانون الشركات لسنة 2015م (المعدل لسنة 2025م) – المادة (269).
- قانون تنظيم وزارة العدل لسنة 2017م – المواد (3)، (5)، (9).
- قانون الإجراءات المالية والمحاسبية لسنة 2007م – المواد (3)، (4)، (12)، (18).
- قانون ديوان المراجعة القومي لسنة 2007م – المواد (3)، (6)، (7).
- قرار مجلس الوزراء الانتقالي رقم (170) لسنة 2025م.
- قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (52) لسنة 2026م.
إعداد: المستشار/ مصعب عادل سليمان
وزارة العدل – جمهورية السودان
يونيو 2026م
Your Legal Advisor مستشارك القانوني
Your Legal Advisor مستشارك القانوني
تعليقات